الشيخ أحمد فريد المزيدي
30
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
عن الأكابر أولي الاستقامة مع اللّه سبحانه من أقوال وأفعال يستنكر ظاهرها أوّلناها لهم لما علمناه من استقامتهم وحسن طريقتهم ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « ولا تظنّنّ بكلمة برزت من امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا « 1 » » انتهى كلامه قدّس اللّه سرّه العزيز . وأما قوله في بعض كلامه : رفعني وأقامني بين يديه ، يعني : أشهدني ذلك وأحضر قلبي لذلك ؛ لأن الخلق بين يدي اللّه سبحانه لا يذهب عليه منهم نفس ولا خاطر ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم له ، ويتفاوتون في صفائهم عجب من كدورة ما يحجب بينهم وبين ذلك من الأشغال القاطعة والخواطر المانعة ، واللّه تعالى أعلم . وأما قوله : قال لي وقلت له ، فإنه يشير بذلك إلى مناجاة الأسرار وصفاء الذكر عند مشاهدة القلب لمراقبة الملك الجبار في آناء الليل والنهار . واعلم أن العبد إذا تيقن بقرب سيده منه ويكون حاضر القلب مراقب الخواطر فكل خاطر يخطر خطر بقلبه كأن الحق سبحانه يخاطبه بذلك ، وكل شيء يتفكره بسره فكأنه يخاطب اللّه به إذ الخواطر وحركات الأسرار ، ما يقع في القلوب بدؤه من اللّه تعالى وانتهاؤه إلى اللّه ، فهذا على هذا المعنى ، واللّه أعلم . وفيما ذكرته كفاية وهذا الباب واسع ، وقد شرح الشيوخ ما نسب إليه من الكلام المغلق على أفهام بعض الناس كسيد الطائفة الجنيد والشيخ أبي النصر السراج وغيرهما قدس اللّه أرواحهم . قال الجنيد قدّس اللّه روحه : الحكايات عن أبي يزيد مختلفة ، والناقلون عنه فيما سمعوه متفرقون ، وذلك لاختلاف الأوقات الجارية عليه بما فيها والاختلاف بالمواطن المتداولة بما خص منها فكل يحكي عنه ما ضبط من قوله ، ويروي ما سمع من تفصيل مواطنه .
--> ( 1 ) قلت : إنما هو من كلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، من ثماني عشرة كلمة كلها حكم ، وقد روى الجزء الذي ذكره المصنف ، المحاملي في أماليه ( ص 395 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 45 ) ، تاما عن عمر . ورواها بتمامها البيهقي في الشعب ( 6 / 323 ) ، من طريق يحيى بن سعد عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن صنع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت . . . فذكر الأثر .